اليوم الجمعة 1 ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 14 أغسطس 2026 م

تحولات رأس المال.. لماذا تتقدم صناديق الأسواق الخاصة على البورصات العامة؟

منذ موجة التراجعات التي أصابت تقييمات الشركات المدرجة في الأسواق العالمية اعتبارًا من عام 2022، تغيّرت بوصلة رأس المال بصورة حاسمة. ولم تعد البورصات العامة ـ التي لطالما مثّلت مركز الثقل في الاستثمار العالمي ـ قادرة على استقطاب التدفقات كما كانت، فيما بدأت الأسواق الخاصة والأصول البديلة تتحول إلى مساحة جاذبة تتوسع فيها شهية المستثمرين بحثًا عن عوائد مستقرة وقدرة أكبر على خلق القيمة.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فمع اشتداد تقلبات الأسواق وتراجع زخم الطروحات العامة، اتجهت المؤسسات الاستثمارية الكبرى نحو أدوات لا تخضع لإيقاع التداول اللحظي، وتمنحها مستويات أعمق من التحكم والمرونة. وتشير بيانات «بريكوين» إلى أن الأصول البديلة المدارة عالميًا تجاوزت 13 تريليون دولار في 2023، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 23 تريليون دولار بحلول 2028، في انعكاس مباشر لتغير توازن القوى داخل النظام المالي العالمي.

الأمر لم يعد يتعلق بالسؤال التقليدي: لماذا تتوسع الأصول البديلة؟ بل: من يسيطر على ربحيتها؟ ومن المستفيد الأكبر من انتقال رأس المال إلى مناطق الاستثمار المغلقة التي لا يدخلها إلا اللاعبون الكبار؟

اليوم، تمثل صناديق التقاعد الحكومية وصناديق الثروة السيادية أكبر ممولي هذا القطاع، فيما أصبحت شركات الأسهم الخاصة وصناديق التحوط المحرك الرئيسي للعوائد، بفضل استراتيجيات تعتمد على الاستحواذ وإعادة الهيكلة وترتيب الصفقات والتمويل الخاص. ويرى خبراء الصناعة أن انتقال الشركات إلى الملكية الخاصة يمنح المدراء والمستثمرين الكبار ميزة تنافسية تتفوق على ما يمكن تحقيقه في الأسواق العامة، حيث تقل مستويات الإفصاح وتزداد القدرة على التحكم بالعوائد.

وفي هذا المشهد الجديد، أصبحت ربحية الصناديق ترتكز على ثلاثة محركات رئيسية: حجم الأصول المدارة، والرسوم الإدارية السنوية، ورسوم الأداء. وتفرض الصناديق البديلة رسومًا أعلى بكثير من تلك الموجودة في الأصول التقليدية، نظرًا لتعقيد الاستثمارات وقلة المنافسة. وقد يدفع المستثمر 2% رسوم إدارة و20% رسوم أداء، ما يخلق إيرادات ضخمة للمديرين حتى قبل تحقيق أرباح رأسمالية فعلية.

ولعل أبرز مثال على هذا الاتجاه صفقة استحواذ «بلاك روك» على «إتش بي إس إنفستمينت بارتنرز» بقيمة 12 مليار دولار في ديسمبر 2024. فالصفقة لم تكن مجرد توسع في الائتمان الخاص، بل إضافة ضخمة لقاعدة أصول تولّد رسومًا ثابتة، وتمنح الشركة تدفقات متوقعة ومستقرة ذات جودة عالية.

في موازاة ذلك، تتقدم فئتان لتصبحا مصدر الربحية الأسرع نموًا: الائتمان الخاص والسوق الثانوية. ففي الولايات المتحدة وحدها بلغ حجم الائتمان الخاص 1.5 تريليون دولار في 2024، مدفوعًا بانسحاب البنوك من شرائح معينة من الإقراض. أما السوق الثانوية لصفقات الأسهم الخاصة فقد سجلت رقمًا قياسيًا بلغ 162 مليار دولار في 2024، بزيادة 45%، لتوفر سيولة غير مسبوقة وتخلق دورة ربح جديدة مبنية على إعادة هيكلة المحافظ.

ومع أن العائدات في الأسهم الخاصة التقليدية لا تزال مغرية، إلا أنها أصبحت أكثر حساسية لدورات أسعار الفائدة وتكاليف التمويل. في المقابل، توفر القروض الخاصة والتداولات الثانوية تدفقات أقل تقلبًا وأكثر استدامة، ما يجعلها اليوم حجر الأساس في ربحية الصناديق.

لكن الربحية الحقيقية في عالم الأصول البديلة لا تُبنى على الرسوم وحدها، بل على القدرات التشغيلية التي تملكها المنصات الكبرى: الوصول المبكر للصفقات، فرق التشغيل الداخلية القادرة على رفع أرباح الشركات بأكثر من 20%، والمرونة في إعادة تشكيل المحافظ عبر الأسواق الثانوية.

المحصلة:

اللاعبون الأكثر نجاحًا اليوم هم أولئك القادرون على الجمع بين ضخامة الأصول، واستراتيجيات عالية الهامش، وقنوات وصول محمية للصفقات، وهياكل تشغيلية تحوّل كل خطوة إلى قيمة مالية مستدامة.

وهكذا، لم يعد مركز الربحية الأكبر موجودًا داخل البورصات العامة، بل في العالم الواسع ـ والمغلق في كثير من الأحيان ـ للأصول البديلة، حيث تُصنع القرارات الأكثر تأثيرًا في التمويل العالمي بعيدًا عن أعين السوق التقليدي.

التصنيفات الفرعية: ، ،