اليوم السبت 2 ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 15 أغسطس 2026 م

صناديق الاستثمار في زمن الذكاء الاصطناعي.. نسخة محدثة من فقاعة الإنترنت تتشكل

قبل أكثر من عقدين، كانت «فقاعة الإنترنت» عنوانًا لأكبر موجة حماس استثماري شهدتها وول ستريت، حين تدفقت رؤوس الأموال بلا حدود نحو شركات التكنولوجيا الناشئة مدفوعة بوهم التحول الرقمي، قبل أن ينهار المشهد فجأة في عام 2000 ويخسر مؤشر «إس آند بي 500» ما يقارب نصف قيمته.

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه بصيغة مختلفة؛ فالمؤشر ذاته يسجل مستويات قياسية جديدة، لكن خلف هذا الصعود تتوارى حقيقة مقلقة، أن المكاسب تتركز في عدد محدود من الشركات العملاقة التي تقود موجة الذكاء الاصطناعي.

هذا التركّز الشديد، المصحوب بتقييمات مرتفعة وأرباح مستقبلية لم تتحقق بعد، يدفع المراقبين إلى طرح السؤال القديم من جديد: هل يقف المستثمرون على أعتاب فقاعة تكنولوجية جديدة، تشبه في جوهرها ما حدث مطلع الألفية، ولكن بملامح الذكاء الاصطناعي بدل الإنترنت؟

تشير تحليلات مؤسسات الأبحاث المالية إلى أن هيمنة الشركات الكبرى على السوق بلغت مستويات غير مسبوقة منذ سبعينيات القرن الماضي. فقد تجاوزت القيمة السوقية لأكبر عشر شركات مدرجة في مؤشر «إس آند بي 500» نسبة 40% من إجمالي المؤشر، وهي النسبة الأعلى منذ أكثر من نصف قرن. ويعني ذلك أن أداء السوق الأمريكي بات يعتمد بصورة مفرطة على أداء عدد محدود من الشركات، في تحول يُضعف مبدأ التنويع الذي يُعد أحد الركائز الأساسية للاستثمار الآمن. فعندما تتركز القوة السوقية في حفنة من الأسهم، تصبح أي اهتزازات في أسعارها قادرة على جرّ المؤشر بأكمله نحو تقلبات حادة، بما يعيد للأذهان هشاشة الأسواق قبيل عام 2000.

وتنعكس هذه الظاهرة بوضوح في صناديق المؤشرات الكبرى، مثل صندوق «إس بي دي آر إس آند بي 500»، الذي تشكل الشركات الإحدى عشرة الأولى فيه نحو 40% من إجمالي أصوله المقدّرة بـ683 مليار دولار. وبذلك يفقد المستثمر الذي يلجأ إلى هذه الصناديق للاستفادة من ميزة التنويع المرجوّة جزءًا كبيرًا من الحماية التي كان يفترض أن توفرها له طبيعة المؤشر الواسع.

ورغم التحذيرات من هذا التركز المفرط، فإن أداء هذه الشركات يظل قويًا من حيث الإيرادات والنمو، إذ تُظهر بيانات «فاكت ست» أن معدلات النمو السنوي المركب لمبيعات الشركات العشر الأعلى وزنًا في المؤشر تفوقت على المتوسط العام بكثير خلال العامين الأخيرين، باستثناء «آبل» التي واجهت تباطؤًا نسبيًا. غير أن هذا النمو لا يبدو كافيًا لتبرير التقييمات المرتفعة التي وصلت إليها السوق. فمعدل السعر إلى الأرباح الآجلة لمؤشر «إس آند بي 500» يبلغ حاليًا نحو 23 مرة، وهو أعلى مستوى منذ أوائل 2021، ويعني أن المستثمرين يدفعون ثمناً متضخمًا مقابل كل دولار من الأرباح المتوقعة خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة. وعندما ترتفع التقييمات بهذا الشكل دون دعم مماثل من الأرباح المحققة، يتقلص هامش الأمان ويزداد خطر التصحيح الحاد.

التاريخ يقدم إشارة تحذير قوية؛ ففي مارس 2000، قبيل انفجار فقاعة الإنترنت، بلغ مضاعف الأرباح الآجل ذروته عند 26.2 مرة، أي أعلى قليلاً من المستوى الحالي. وما يجعل الوضع الراهن أكثر دقة أن درجة تركّز السوق اليوم تتجاوز ما كانت عليه آنذاك، إذ لم يكن نصيب أكبر عشر شركات من المؤشر في ذلك الوقت يتجاوز 29%، مقابل أكثر من 40% اليوم. هذا يعني أن المخاطر الحالية مزدوجة: تقييمات مرتفعة، وتركيز غير مسبوق في عدد محدود من الأسهم.

ومع أن بعض المحللين يرون أن الأساسيات المالية للشركات العملاقة اليوم أقوى من نظيراتها في التسعينيات، فإن الفجوة المتزايدة بين الأسعار والقيم الجوهرية، إلى جانب ضخامة الرهانات على الذكاء الاصطناعي، تجعل السوق عرضة لرد فعل مبالغ فيه في حال تباطأت وتيرة الابتكار أو خابت توقعات النمو. فالموجة الراهنة مدفوعة بتوقعات مستقبلية لا بتدفقات نقدية حالية، ومع أي خيبة أمل قد تنقلب الثقة إلى هلع كما حدث في مطلع الألفية.

لهذا يحذر الخبراء من المبالغة في الاعتماد على الصناديق المرجّحة بالقيمة السوقية، ويدعون إلى إعادة التوازن نحو الصناديق المتساوية الوزن أو تلك التي تركز على القيمة الأساسية للأسهم. كما يشير بعض المحللين، مثل مارك هولبرت، إلى أن المحافظ المتوازنة (بنسبة 60% أسهم و40% سندات) غالبًا ما تتفوق على المؤشر خلال فترات التقييم المبالغ فيه، بما يعكس أهمية توزيع المخاطر في ظل دورة اقتصادية يغلب عليها التفاؤل أكثر مما تحتمل الأساسيات.

في النهاية، قد لا تكون الأسواق الأمريكية على وشك تكرار فقاعة الإنترنت بالمعنى ذاته، إذ إن الشركات المسيطرة اليوم أكثر رسوخًا وربحية. لكن جوهر القلق لم يتغير: كلما ارتفعت الأسعار أسرع مما تنمو الأرباح، وكلما ضاق نطاق القيادة السوقية، اقتربت احتمالات التصحيح. وبين حماسة المستثمرين للذكاء الاصطناعي وحذر التاريخ من الفقاعات، يبدو أن السوق الأمريكي يعيش لحظة اختبار حقيقية بين الابتكار والمبالغة، وبين النمو المستدام والمخاطرة المتكررة.

 

التصنيفات الفرعية: ، ، ، ، ، ،