اليوم السبت 2 ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 15 أغسطس 2026 م

صناديق التقاعد الأميركية تعيد حسابتها لمنافسة الصناديق الخليجية على «الصفقات الخاصة»

كشف سكوت شان، نائب رئيس الاستثمار في نظام تقاعد معلمي ولاية كاليفورنيا، عن أنه احتاج عامين لإقناع رؤسائه بتخصيص أموال أكثر للاستثمارات المربحة بجانب كبرى شركات الملكية الخاصة حول العالم.  وفي الوقت الذي استغرقه شان للإقناع بحجته، استحوذ مستثمرون أسرع وأكثر فطنة -غالبيتهم من الصناديق السيادية بمنطقة الشرق الأوسط- على أكثر من 38 مليار دولار من تلك الصفقات.

تتراجع صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية، التي كانت لمدة طويلة من بين العملاء الأكثر طلباً على صفقات الاستحواذ، سريعاً أمام الصناديق السيادية الخليجية ذات الأرصدة المالية الهائلة.  ينطبق هذا بصفة خاصة على صفقات تُعرف باسم الاستثمارات المشتركة، حيث يلجأ مديرو صناديق استثمارات الملكية الخاصة إلى مستثمرين مفضلين لضخ المزيد من الأموال في عمليات شراء أحادية، دون أن يتكبدوا رسوماً باهظة.

واستغلت صناديق سيادية، على غرار جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة للاستثمار، هذه الفرص، إذ استثمرت مليارات الدولارات للمساعدة في إتمام صفقات ملكية خاصة خلال الأعوام الأخيرة.

تأتي المنافسة المتنامية على مثل هذه الصفقات في وقت تزداد فيه أهميتها لصناديق المعاشات التقاعدية الأميركية لتوفير رسوم الإدارة والمراهنة على جني عوائد أعلى. يقول مسؤولون في صندوق الاستثمار العام إن هذا يغير ديناميكية استثمار صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية.

تأخذ أكبر صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية وضعية الاستعداد، حيث تعيد النظر في عمليات صنع القرار التي جعلتها بطيئة في تقييم الاستثمارات الجديدة وتزيد من تخصيصاتها للاستحواذ على صفقات أكثر من هذه النوعية.

على سبيل المثال، مجلس إدارة صندوق التقاعد للموظفين العموميين بولاية كاليفورنيا المعروف اختصاراً بـ«Calpers»  – أكبر صندوق للمعاشات التقاعدية في الولايات المتحدة الأميركية – منح فريقه للاستثمار الإذن لاتخاذ القرارات خلال 48 ساعة إذا تطلب الأمر ذلك. أقنع «شان» مجلس إدارة الصندوق العام الجاري بتعديل برنامج استثمار مشترك قائم ليكون أكثر مرونة واستثمار أموالاً أكبر.

يقول ماركوس فرامبتون، رئيس وحدة الاستثمار في صندوق التقاعد «بيرمنانت ألاسكا فاند» البالغة أصوله 78 مليار دولار: تحاول صناديق المعاشات التقاعدية بالوقت الراهن التحرك أسرع كثيراً بعد أن باتت الصناديق السيادية الكبرى جزءاً مهماً من المشهد. وقد خصص الصندوق 50 استثماراً مشتركاً على مدى العقد الماضي، خلال السنة المنصرمة قرر توسيع فريقه لاستثمارات الملكية الخاصة لإبرام صفقات أكثر من هذا النوع.

على مدى سنوات، استثمرت صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية، التي تُدار نيابة عن المعلمين ورجال الإطفاء وغيرهم من العاملين بالقطاع العام، في صناديق استثمارات الملكية الخاصة بوصفها وسيلة لجني عوائد قوية حيث تتسم بتقلب أقل بالمقارنة مع أسواق الأسهم العامة. يكمن الهدف في فجوة التمويل التي جعلت العديد منها يعاني من نقص عشرات مليارات الدولارات لتغطية رواتب التقاعد المتوقعة.

لكن هذه الفئة من الأصول مرتفعة التكلفة. تنفق بعض صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية سنوياً نصف مليار دولار تقريباً على رسوم إدارة أصول الملكية الخاصة. وخلال الأعوام الأخيرة، عززت صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية الاستثمارات المشتركة للاستثمار في شركات جذابة في محافظ أصول تلك الصناديق البارزة، مع دفع صفر رسوم.

زاد، مثلاً، صندوق التقاعد للموظفين العموميين بولاية كاليفورنيا «Calpers»، بأصول 490 مليار دولار تقريباً، مخصصاته المستهدفة لاستثمارت الملكية الخاصة إلى 17%، ويعزى ذلك جزئياً لتحويل أموال أكثر إلى مثل هذه الاستثمارات المشتركة. استثمر الصندوق 750 مليون دولار في صفقة استحواذ أميركية غير معلنة، ما يُعد أكبر استثمار مشترك له على الإطلاق السنة الماضية فقط.

غالباً ما يرتبط الوصول إلى هذه الصفقات بالالتزامات تجاه حملة التمويل التالية لشركة الملكية الخاصة. في غضون ذلك، يستفيد مديرو صناديق الملكية الخاصة من وجود شريك يمكنه تحمل جزء من المخاطر بالبداية، بدلاً من تحملها بالكامل بأنفسهم.

وفاقم دخول الصناديق السيادية العملاقة من الشرق الأوسط تعقيد المشهد. ففي الماضي، كانت عملية اتخاذ قرار استثماري من قبل صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية تستغرق أسابيع أو حتى شهوراً، وذلك بسبب الإجراءات المعقدة التي تتضمن لجان استثمار ومراجعة الاستشارين والمعارك السياسية حول إدارة أموال المتقاعدين. على النقيض من ذلك، يمكن لصناديق مثل جهاز أبوظبي للاستثمار وصندوق الاستثمارات العامة السعودي تخصيص مبالغ كبيرة سريعاً، وأحياناً في غضون ساعات.

قال شان خلال مقابلة مع شركة «ماركتس غروب» مارس الماضي حول جهود الصندوق لتحسين استراتيجية الاستثمار المشترك: «كنا نحتاج لتبسيط عمليات المؤسسة بأكملها لنكون أكثر مرونة حتى نتمكن من المنافسة في السوق بسرعة وحجم أي جهة. إذا أردنا القيام باستثمار مشترك، فعلينا التأكد من الاستجابة في نفس اليوم».

قال ميندي تيريبيل -متحدث باسم نظام تقاعد معلمي ولاية كاليفورنيا- في رد عبر البريد الإلكتروني على أسئلة «بلومبرج» حول الاستثمارات المشتركة لصندوق التقاعد: «يمكن لنظام تقاعد معلمي ولاية كاليفورنيا الإسراع من عملية اتخاذ قرارات الاستثمار المشترك والقدرة على تخصيص مبالغ ضخمة».

في حين أن صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية ليست جديدة على الاستثمار المشترك، إلا أنها عادة ما تخصص رأس المال بوتيرة أبطأ وبمبالغ أقل كثيراً من نظيراتها من الصناديق السيادية، والتي شهدت نمواً مذهلاً خلال الأعوام الأخيرة.

وتدير أكبر 10 صناديق سيادية بالشرق الأوسط مجتمعة أصولاً بقيمة 4.5 تريليون دولار، في مبلغ يقترب من إجمالي ما تديره أكبر 10 صناديق استثمار حكومية في الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وكندا معاً. يعني ذلك أنهم حددوا أهدافاً استثمارية كبيرة يجب بلوغها، ما يدفع بدوره بعض الصفقات إلى نطاق مليارات الدولارات.

خلال العام الماضي، لجأت شركات مثل «كيه كيه أر» و«إي كيو تي» و«بروكفيلد» إلى صناديق سيادية في الشرق الأوسط للمساعدة في تمويل صفقات كبيرة. أوضح مارك روان الرئيس التنفيذي لشركة «أبولو غلوبال مانجمنت» خلال فبراير أن أفضل المستثمرين حالياً موجودون في أماكن من بينها سنغافورة والإمارات العربية المتحدة.

وذكر مايكل لازوريك، مدير الاستثمارات الرئيسية للملكية الخاصة في نظام تقاعد المعلمين في ولاية تكساس بأصول قيمتها 200 مليون دولار: أول من يستقبل مكالمات هاتفية بشأن بعض هذه الصفقات، لا سيما الصفقات الأكبر، هم الأشخاص الذين يمكنهم تحرير شيك بقيمة مليار دولار في صفقة واحدة. وهؤلاء الأشخاص عددهم محدود.

على مدى الثمانية أعوام الماضية، بحسب لازوريك، استحدث مستثمرون -يُعرفون أيضاً بالشركاء المحدودين- والذين يمكنهم الالتزام بدعم صفقة بمبالغ مليونية، مستوى جديداً لأنفسهم. خلال تلك المدة، أجرت بلدان الخليج العربي إصلاحات لسياسات الأعمال وبذلت جهوداً أخرى لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط.

وساهم برنامج السعودية رؤية 2030  في تعزيز استراتيجية الاستثمار السعودية القوية في الشركات الأجنبية. أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن رغبته في جعل الاستثمارات مصدراً لإيرادات الحكومة، وليس النفط. بدلاً من تخزين حصة كبيرة من ثروتهم النفطية ضمن أصول آمنة مثل الأموال النقدية والودائع المصرفية وأوراق الديون الأميركية، فإن الصناديق السيادية توجه بصورة متزايدة الأموال للاستثمار بالأسهم والعقارات والبنية التحتية والملكية الخاصة.

باتت هذه الصناديق حالياً تشارك في الاكتتابات العامة بجانب شركات الملكية الخاصة، وتشارك بوقت مبكر للغاية في عملية الاستثمار بالمقارنة بما كان عليه الحال بالماضي. كانت صناديق التقاعد العامة الكندية والأسترالية، علاوة على الصندوقين السياديين في سنغافورة  بطليعة هذا النوع من الاستثمار ويمكنها مواكبة اللاعبين بالشرق الأوسط، وفي بعض الحالات تتعاون معهم عندما يكون الاتفاق ضخماً جداً.

دفع هذا الأمر بعض صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية إلى ما يُسمى بالمستوى الثاني؛ يتلقون مكالمات هاتفية بوقت لاحق، بعد توقيع الصفقة، بحيث يقومون بشراء جزئية، وهي أجزاء من الاستثمارات التي لا يرغب الشركاء المحدودون الأكبر في الاحتفاظ بها.

لم تلجأ كل شركة استحواذ لإقصاء صناديق المعاشات التقاعدية الأميركية إلى المستوى الثاني. استجاب البعض عن طريق إنشاء نظام تناوب على من سيحصل على فرصة الوصول إلى الصفقة أولاً. رغم ذلك، وفي أغلب الأحيان، يتعلق الأمر بتوفير المال سريعاً وتجنب الحاجة للتفاوض حول شروط الصفقة مع عدد هائل من المستثمرين.

التصنيفات الفرعية: ، ، ، ، ، ، ،