اليوم الجمعة 1 ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 14 أغسطس 2026 م

صندوق النقد: الأسواق أمام اختبار جديد مع تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار

حذّر صندوق النقد الدولي من تباطؤ مرتقب في وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، في ظل التداعيات المتواصلة للحرب في الشرق الأوسط، التي دفعت المؤسسة الدولية إلى خفض توقعاتها للنمو حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، مع توقعات بارتفاع الطلب على الدعم المالي في المدى القريب إلى ما بين 20 و50 مليار دولار.

وفي هذا السياق، أكدت كريستالينا جورجيفا أن النزاع الإقليمي فى منطقة الخليج مثّل صدمة للاقتصاد العالمي، كان من شأن غيابها أن يدفع الصندوق إلى رفع توقعات النمو، مدفوعاً بزخم الاستثمارات القوية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأوضاع المالية الداعمة. إلا أن هذه العوامل الإيجابية تراجعت أمام تأثيرات الحرب، التي أعادت اختبار مرونة الاقتصاد العالمي.

وأوضحت جورجيفا، في كلمة ألقتها بمقر الصندوق في واشنطن قبيل اجتماعات الربيع، أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وفقدان الثقة، شكّلت أبرز أسباب تدهور التوقعات الاقتصادية. ورغم الحديث عن تهدئة مؤقتة، فإنها شددت على أن آثار النزاع ستستمر لفترة، ما يعني تباطؤاً في النمو حتى في حال استقرار الأوضاع.

وتشير التقديرات إلى أن الحرب تسببت في صدمة كبيرة لأسواق الطاقة، مع تراجع تدفقات النفط العالمية بنحو 13%، وانخفاض إمدادات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 20%، وهو ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار، وزاد من الضغوط التضخمية عالمياً. كما امتدت التداعيات إلى قطاعات حيوية مثل النقل والسياحة والتجارة، نتيجة إغلاق بعض المصافي ونقص المنتجات المكررة.

وتبرز تداعيات الحرب بشكل غير متكافئ بين الدول، إذ تتحمل الاقتصادات المستوردة الصافية للطاقة—التي تمثل نحو 80% من دول العالم—العبء الأكبر بسبب ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات، في حين تضررت أيضاً بعض الدول المصدّرة، خصوصاً تلك التي تواجه قيوداً أو اضطرابات في التصدير. كما تعاني اقتصادات المنطقة غير النفطية من آثار مضاعفة نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي.

وفي بُعد إنساني مقلق، حذرت جورجيفا من أن النزاع قد يدفع بنحو 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي، ليرتفع إجمالي عدد المتضررين إلى أكثر من 360 مليون شخص حول العالم، في ظل استمرار اضطرابات سلاسل التوريد، خاصة في الصناعات التي تعتمد على مدخلات أساسية مثل الكبريت والهيليوم والنفتا.

وفيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، دعت مديرة الصندوق الدول إلى تجنب النزعات الانعزالية، مثل فرض قيود على الصادرات أو تحديد الأسعار، محذّرة من أن مثل هذه الإجراءات قد تزيد من اضطراب الأسواق العالمية. وقالت في هذا الصدد إن هذه السياسات “قد تصبّ الزيت على النار” في بيئة اقتصادية شديدة الحساسية.

أما على صعيد السياسة النقدية، فأشارت إلى أن البنوك المركزية العالمية مطالبة باتباع نهج حذر يقوم على الانتظار والترقب، مع الحفاظ على مصداقيتها في مكافحة التضخم. لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة التدخل الحاسم عبر رفع أسعار الفائدة إذا ما ارتفعت توقعات التضخم على المدى الطويل، بما يهدد بحدوث دوامة تضخمية.

ومن المنتظر أن يعرض الصندوق خلال تقريره المرتقب عن آفاق الاقتصاد العالمي مجموعة من السيناريوهات، تتراوح بين تعافٍ سريع نسبياً واستمرار الضغوط لفترة أطول، خاصة إذا بقيت أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة. وكانت تقديرات سابقة في يناير قد رجّحت نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.3% في 2026 و3.2% في 2027، إلا أن حجم الخفض الجديد لم يتضح بعد.

في المجمل، تعكس تحذيرات صندوق النقد الدولي تصاعد المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي، مع تزايد الضغوط على الدول الأكثر هشاشة، وارتفاع الحاجة إلى التمويل الطارئ، في وقت تتشابك فيه الأزمات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية، ما يضع صناع السياسات أمام اختبار معقّد لإدارة مرحلة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.

التصنيفات الفرعية: ، ،