اليوم الجمعة 1 ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 14 أغسطس 2026 م

صندوق النقد: الأموال الساخنة تزيد هشاشة الأسواق الناشئة ومنها مصر

يواصل صندوق النقد الدولي، تأكيد التزامه بدعم الاقتصاد المصري في ظل التحديات الراهنة، بالتوازي مع متابعة دقيقة لتداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على الأداء الاقتصادي، في وقت تتزايد فيه حساسية الأسواق الناشئة لتقلبات التمويل العالمي. وقالت جولي كوزاك، المتحدثة باسم الصندوق، إن بعثته تجري مشاورات مكثفة مع السلطات المصرية لاستكمال المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح قبل الصيف، بما يضمن تلبية الاحتياجات التمويلية وتحقيق الأهداف الهيكلية، ودعم الاستقرار المالي، في إشارة إلى استمرار اعتماد الاقتصاد على الدعم الخارجي المنظم في مواجهة الضغوط.

وفي السياق ذاته، أبقى البنك الدولي على توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي الجاري عند 4.3% دون تغيير، رغم تصاعد المخاطر الإقليمية، مشيرًا إلى أن مصر تواجه تداعيات غير مباشرة للتوترات المرتبطة بحرب إيران، تشمل ارتفاع أسعار النفط والغاز، وتراجع نشاط السياحة، وانخفاض تحويلات العاملين بالخارج، لا سيما من دول الخليج. وحذر التقرير من أن ميزان المخاطر يميل إلى الجانب السلبي، حيث إن استمرار النزاع لفترة أطول قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية عبر ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء، وتراجع التجارة والتدفقات السياحية والتحويلات، بما يزيد الأعباء على المالية العامة ويضغط على وتيرة التعافي.

وتتزامن هذه التحديات مع تحولات هيكلية أعمق في طبيعة التمويل الخارجي للأسواق الناشئة، إذ أشار صندوق النقد الدولي في تقرير الاستقرار المالي العالمي إلى أن هذه الاقتصادات، ومن بينها مصر، أصبحت تعتمد بشكل متزايد على تدفقات المحافظ الاستثمارية مثل صناديق التحوط وصناديق المعاشات وشركات التأمين، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لخروج سريع لرؤوس الأموال خلال فترات الاضطراب. ووفقًا للتقرير، تضاعفت حصة هذه التدفقات إلى نحو 80% من تمويل ديون الأسواق الناشئة خلال العقدين الماضيين، في مقابل تراجع دور البنوك منذ الأزمة المالية العالمية 2008، فيما بلغت التدفقات التراكمية نحو 4 تريليونات دولار، مستفيدة من بيئة السيولة العالمية الوفيرة.

ورغم أن هذا النمط من التمويل وفر مزايا مهمة، من بينها إتاحة الاقتراض بشروط أفضل وآجال أطول وتكلفة أقل، فإن الصندوق حذر من أن مستثمري المحافظ أصبحوا أكثر حساسية للمخاطر منذ الأزمة المالية، وأكثر ميلاً لسحب استثماراتهم بسرعة عند تغير الأوضاع المالية العالمية، ما يزيد من احتمالات تقلب التدفقات. وأوضح أن الدول والشركات التي تعتمد على هذه المصادر تكون أكثر عرضة للصدمات المالية، خاصة في ظل محدودية عمق الأسواق المالية المحلية وضعف القدرة على امتصاص الصدمات في بعض الاقتصادات الناشئة.

وأشار التقرير إلى أن أي تراجع مفاجئ في هذه التدفقات قد يؤدي إلى زيادة ضغوط التمويل الخارجي، واتساع فروق العوائد على ديون الحكومات والشركات، فضلًا عن انخفاضات حادة في أسعار العملات، وهو ما يضع تحديات إضافية أمام صناع السياسات. وقدّر الصندوق متوسط التزامات ديون المحافظ الخارجية بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، مقابل نحو 7% لاستثمارات الأسهم، مع الإشارة إلى أن الأخيرة تمثل وزنًا مؤثرًا في القيمة السوقية لبعض هذه الأسواق.

كما لفت إلى تسارع نمو تدفقات الائتمان الخاص عبر الحدود والعملات المستقرة، وارتباطها المتزايد بديناميكيات سوق العملات المشفرة، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد والمخاطر. وفي هذا الإطار، دعا الصندوق الدول الناشئة إلى تعزيز متانة اقتصاداتها عبر تحسين جودة المؤسسات، وبناء احتياطيات قوية من النقد الأجنبي، وضمان استدامة الدين العام، كخطوط دفاع أساسية في مواجهة تقلبات التمويل العالمي.

ويعكس هذا المشهد تداخل الضغوط الخارجية مع التحديات الهيكلية، حيث يجد الاقتصاد المصري نفسه عند تقاطع مسارين: دعم دولي مستمر يوفر مظلة استقرار، مقابل بيئة عالمية أكثر تقلبًا تفرض مخاطر متزايدة على تدفقات التمويل، ما يجعل إدارة التوازن بين الإصلاح والاستقرار المالي أولوية حاسمة خلال المرحلة المقبلة.

التصنيفات الفرعية: ، ، ، ، ،