يرى خبراء صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السعودي يشهد تطورًا نوعيًا يعكس تقدّمًا ملموسًا في مسار التحول الهيكلي الذي تقوده رؤية المملكة 2030، في وقت تدخل فيه السعودية عامًا محوريًا في مسيرتها الاقتصادية، وسط بيئة عالمية أقل دعمًا مقارنة بالفترة بين 2022 و2024 التي تميزت بارتفاع أسعار النفط وتسارع وتيرة الإنفاق الاستثماري. ورغم هذا التحول في البيئة الاقتصادية، تؤكد المؤشرات الحالية أن زخم تنويع الاقتصاد السعودي بات أكثر رسوخًا واستقلالًا عن النفط، وفقًا لتقرير حديث صادر عن الصندوق.
ويشير أمين ماطي، مدير مساعد، ومونيكا غاو رولينسون، الخبيرة الاقتصادية في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، إلى أن العام الحالي يمثل اختبارًا حقيقيًا لصلابة النموذج الاقتصادي الجديد للمملكة وقدرته على الاستمرار في ظل تراجع الإيرادات النفطية. ورغم انخفاض أسعار النفط بنحو 30% مقارنة بذروة عام 2022، حافظ الاقتصاد غير النفطي على أداء قوي خلال عام 2025، ما يعكس نجاح الإصلاحات الهيكلية التي نُفذت ضمن إطار رؤية 2030.
وبحسب التقرير، تقلصت الفجوات التي كانت تفصل السعودية عن الاقتصادات الصاعدة من حيث تنويع النشاط الاقتصادي، فيما أصبحت بيئة الأعمال أكثر تنافسية واقترابًا من معايير الاقتصادات المتقدمة. ولم يكن هذا النمو مدفوعًا بالاستثمار وحده، بل ارتكز أيضًا على عنصر رأس المال البشري، إذ شهدت سوق العمل توسعًا ملحوظًا في فرص التوظيف داخل القطاع الخاص، لا سيما للنساء، مع تراجع معدلات البطالة إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وإن كان الصندوق يؤكد في الوقت نفسه أهمية مواصلة الجهود لتعزيز جودة النمو وسد الفجوات المتبقية.
وينطلق هذا الأداء من قاعدة مالية قوية، حيث لا تزال نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستويات منخفضة، إلى جانب احتفاظ الدولة بأصول أجنبية كبيرة. وفي هذا السياق، أسهمت إعادة ترتيب أولويات بعض المشروعات الاستثمارية الكبرى في توجيه الإنفاق نحو المجالات الأعلى عائدًا، بما يعكس نضجًا في إدارة السياسات الاقتصادية. وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن يؤدي تعزيز الإيرادات غير النفطية — التي تضاعفت خلال السنوات الخمس الماضية — إلى جانب رفع كفاءة الإنفاق العام، دورًا محوريًا في ترسيخ الاستدامة المالية.
كما يشدد صندوق النقد الدولي على أهمية تعزيز مؤسسات المالية العامة من خلال إدارة حصيفة للدين، وتبني استراتيجية متكاملة لإدارة الأصول والخصوم السيادية، بما يدعم تحقيق أهداف رؤية 2030 ويحافظ على متانة الوضع المالي للمملكة.
وعلى صعيد الاستقرار المالي، يرى الصندوق أن الإشراف القوي على القطاع المصرفي يشكل ركيزة أساسية لدعم نمو الائتمان بشكل صحي، خاصة مع تزايد اعتماد البنوك على التمويل الخارجي قصير الأجل. ويؤكد التقرير أهمية الدور الاستباقي للبنك المركزي السعودي في مراقبة المخاطر الناشئة وتطبيق الأدوات الاحترازية الكفيلة بالحفاظ على متانة النظام المالي.
وفي موازاة ذلك، يسهم تعميق السوق المالية في توفير مصادر تمويل بديلة للشركات عبر السندات والأسهم، بما يخفف الضغط على القطاع المصرفي، ويدعم تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويعزز بناء مزيج تمويلي أكثر توازنًا للاقتصاد.
ويخلص خبراء صندوق النقد الدولي إلى أن الحفاظ على زخم النمو في المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة متزايدة على محورين رئيسيين، يتمثلان في قوى عاملة ماهرة وقطاع خاص حيوي. فمتطلبات القطاعات الناشئة، لا سيما التكنولوجيا والضيافة، تستدعي مواءمة المهارات مع احتياجات سوق العمل المتغيرة ومعالجة فجوات الكفاءات القائمة.
وفي الوقت ذاته، فإن تعميق الإصلاحات الهيكلية، بما في ذلك التطبيق الصارم للأنظمة الجديدة الهادفة إلى تسهيل دخول المستثمرين الأجانب، من شأنه تعزيز جاذبية بيئة الأعمال ودعم تدفق الاستثمار الخاص، مع دور تحفيزي مكمل يمكن أن يؤديه صندوق الاستثمارات العامة عبر تشجيع الشراكات والمشروعات الجديدة، مع الحفاظ على مساحة كافية لازدهار القطاع الخاص المحلي والدولي.








