اليوم الجمعة 1 ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 14 أغسطس 2026 م

من «وول ستريت» إلى آسيا.. تحوّل هيكلي في استراتيجيات صناديق التحوط العالمية

تشير تحركات صناديق التحوط العالمية إلى تحول استراتيجي ملحوظ في توجهات الاستثمار، في ظل تزايد القلق من تقلبات أسواق «وول ستريت» وتنامي الضبابية المحيطة بالسياسات الاقتصادية الأمريكية. وخلال العام الماضي، بدأت هذه الصناديق تقليص انكشافها على أسواق أمريكا الشمالية، مقابل تعزيز التنويع الجغرافي لمحافظها الاستثمارية، مدفوعة بعوامل تشمل التوترات التجارية، وعدم وضوح المسار السياسي في الولايات المتحدة، إلى جانب تراجع أداء الدولار.

وتُظهر بيانات صادرة عن مؤسسات مالية كبرى في «وول ستريت»، من بينها «جولدمان ساكس» و«جي بي مورجان»، فتورًا واضحًا في شهية المستثمرين تجاه الاستراتيجيات الاستثمارية المتركزة على أمريكا الشمالية، في مقابل تنامي الإقبال على الأسواق الآسيوية التي برزت كوجهة استثمارية جاذبة مع مطلع عام 2025.
وبحسب بيانات «جولدمان ساكس»، سجلت التدفقات الاستثمارية نحو آسيا أعلى مستوياتها منذ عام 2022، مع زيادة المخصصات الموجهة للمنطقة بنسبة 13% مطلع العام الجاري، مقارنة بنحو 7% في العام السابق. في المقابل، يُتوقع أن تنمو الاستثمارات في أمريكا الشمالية بوتيرة أبطأ لا تتجاوز 7%، وهو ما يمثل تراجعًا حادًا مقارنة بنسبة 14% المسجلة في مطلع العام الماضي.
ولا يقتصر هذا التحول على تأثيرات ضعف الدولار أو اعتبارات السياسة الاقتصادية فحسب، إذ ساهم تراجع أداء أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، المعروفة باسم «السبعة الكبار»، في تعزيز هذا الاتجاه. وأفاد «جي بي مورجان» بأن صناديق التحوط خفّضت حيازاتها من هذه الأسهم القيادية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لتتراجع من مستوياتها القياسية التاريخية إلى متوسطاتها المعتادة.
ورغم أن أصول صناعة صناديق التحوط تجاوزت حاجز 5 تريليونات دولار بنهاية العام الماضي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، يرى محللون أن هذا التحول لا يعكس رد فعل مؤقتًا بقدر ما يشير إلى تغير أعمق في الاستراتيجيات الاستثمارية.
وفي هذا السياق، أوضح برونو شنيلر، الشريك في «إيرلين كابيتال مانجمنت»، أن الولايات المتحدة تواجه مزيجًا غير معتاد من تقلب السياسات، والتحديات المالية، ودورة أرباح وصلت إلى مراحل نضج متقدمة، معتبرًا أن دوافع التنويع الحالية تحمل طابعًا هيكليًا أكثر منها تكتيكيًا.
وتعكس هذه التطورات مجتمعة إعادة رسم لبوصلة رؤوس الأموال العالمية مع مطلع عام 2026، حيث لم تعد «وول ستريت» الملاذ الاستثماري الأوحد. ومع تراجع انكشاف صناديق التحوط على عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، وصعود الأسواق الآسيوية كبديل واعد، تبرز استراتيجية التنويع كضرورة استثمارية حتمية في عالم تتوزع فيه الفرص والمخاطر بين مناطق متعددة، وتزداد فيه أهمية المرونة والقدرة على قراءة التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية.

التصنيفات الفرعية: ، ، ،